لم تكن المعطيات التي كشف عنها وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، خلال اجتماعه بقادة الأحزاب السياسية، مجرد أرقام تقنية مرتبطة بتحيين اللوائح الانتخابية، بل شكلت جرس إنذار حقيقيا بشأن واقع المشاركة السياسية في المغرب، ورسالة واضحة مفادها أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بنسبة التصويت، وإنما بمن هم خارج العملية الانتخابية من الأساس.
فبينما تستعد المملكة لخوض الانتخابات التشريعية يوم 23 شتنبر 2026، تظهر الأرقام صورة مقلقة تستوجب وقفة جادة من مختلف الفاعلين السياسيين.
أول ما يلفت الانتباه هو أن عدد المسجلين الجدد في اللوائح الانتخابية لم يتجاوز حوالي 450 ألف مواطن، وهو رقم يظل متواضعا بالنظر إلى حجم الكتلة الانتخابية الممكنة، خصوصا مع وجود 12 مليون مغربي مؤهل للتصويت ما زالوا خارج اللوائح الانتخابية. وهذا يعني أن ملايين المواطنين اختاروا، عن قناعة أو عن عزوف، البقاء خارج المسار الانتخابي، وهو مؤشر لا يمكن التقليل من خطورته.
في المقابل، أسفرت عملية المراجعة الاستثنائية عن تشطيب ما يقارب مليوني اسم من اللوائح، بسبب الوفاة أو التكرار أو تغيير محل السكن أو فقدان الأهلية القانونية، ليستقر العدد النهائي للمسجلين عند حوالي 15.8 مليون ناخب، بعدما كان يتجاوز 17.5 مليون خلال انتخابات 2021.
هذه الأرقام تطرح سؤالا محوريا: كيف يمكن الحديث عن توسيع المشاركة السياسية في الوقت الذي يفوق فيه عدد غير المسجلين ثلاثة أرباع عدد المسجلين تقريبا؟
الأكثر إثارة أن وزارة الداخلية أكدت أن 45 في المائة من المسجلين يوجدون بالجماعات القروية، وهي المناطق التي تواصل، دورة انتخابية بعد أخرى، تسجيل أعلى نسب المشاركة مقارنة بالمدن الكبرى. وهذا المعطى يؤكد أن العالم القروي ما يزال يمثل الخزان الانتخابي الأكبر للأحزاب، في وقت تتراجع فيه نسب الإقبال داخل المدن، حيث ترتفع مؤشرات العزوف واللامبالاة.
كما أظهرت المعطيات أن النساء أصبحن أكثر حضورا في اللوائح الانتخابية من الرجال، وهو تطور إيجابي يعكس اتساع المشاركة النسائية، لكنه في المقابل يضع الأحزاب أمام مسؤولية تقديم برامج وسياسات تستجيب لتطلعات هذه الكتلة الانتخابية المتنامية، بدل الاكتفاء بالشعارات الموسمية.
سياسيا، تبدو الرسالة واضحة: الأزمة ليست أزمة لوائح، بل أزمة ثقة. فوجود 12 مليون مواطن خارج التسجيل لا يمكن تفسيره فقط بضعف حملات التحسيس، بل يعكس، لدى جزء واسع من المواطنين، شعورا بأن الانتخابات لا تغير واقعهم اليومي بالشكل المأمول.
وفي هذا السياق، يأتي القرار الملكي القاضي بتفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، برئاسة مشتركة بين وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، إلى جانب إحداث لجان جهوية وإقليمية، كإجراء يروم تعزيز ضمانات النزاهة والشفافية. غير أن نزاهة الانتخابات، رغم أهميتها، تبقى وحدها غير كافية إذا لم تستعد الأحزاب ثقة الناخبين، خاصة الشباب الذين يشكلون النسبة الأكبر من غير المسجلين.
إن انتخابات 23 شتنبر 2026 لن تكون مجرد تنافس على المقاعد البرلمانية، بل ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة الفاعلين السياسيين على إقناع ملايين المغاربة بأن أصواتهم قادرة على إحداث الفرق. أما إذا استمرت الهوة بين المواطن والعمل السياسي، فإن الأرقام التي كشفتها وزارة الداخلية قد تكون بداية مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: اتساع دائرة العزوف، رغم توفر كل الضمانات القانونية والتنظيمية.
لقد كشفت هذه المعطيات واقعا لا يمكن تجاهله: المغرب مقبل على استحقاق انتخابي مهم، لكن الرهان الأكبر لم يعد فقط تنظيم انتخابات نزيهة، بل إقناع ملايين المواطنين بأن المشاركة ما زالت ذات جدوى، وأن صناديق الاقتراع ليست مجرد محطة دورية، بل أداة حقيقية للتغيير والمحاسبة.



















