ما حدث من صافرات استهجان خلال عزف النشيد الوطني لمصر في مباراة تحديد المركز الثالث بكأس أمم إفريقيا 2025 لا يمكن عزله عن سياقه، ولا يجوز اختزاله في اتهام شعب بأكمله أو الطعن في تاريخ بلد عرف بالضيافة والانفتاح، فالجمهور المغربي، كما غيره من جماهير العالم، يتفاعل مع الأحداث بلحظتها، ويتأثر بالمناخ العام الذي يسبق المباريات ويحيط بها.
لا شك أن التصريحات المستفزة التي صدرت عن حسام حسن، مدرب المنتخب المصري، أسهمت في شحن الأجواء ورفع منسوب التوتر، فالكلمة في كرة القدم، كما في السياسة والثقافة، قد تشعل فتيل الاحتقان إذا افتقرت إلى الحكمة واحترام الخصم، وعندما تستحضر النبرة الاستعلائية أو التلميحات الجارحة، فإنها لا تمرّ مرور الكرام لدى الجماهير، التي ترى في منتخباتها امتدادًا لكرامتها الوطنية.
إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال دور بعض المنابر الإعلامية التي تعيش على الإثارة وتنتعش بزرع الفتنة بين الشعوب، مغربية كانت أم مصرية، إعلام يقتات على العناوين المستفزة، ويضخّم اللحظة، ويحوّل حادثًا عابرًا إلى أزمة مفتعلة، متناسيًا عمق الروابط التاريخية والثقافية بين الشعبين، هذا النوع من الإعلام لا يخدم كرة القدم ولا يخدم العلاقات الأخوية، بل يسيء إليها.
إن كرة القدم، في جوهرها، أخلاق قبل أن تكون نتائج. والمملكة المغربية كانت وستظل حاضنة لكل الشعوب العربية والإفريقية، تشهد على ذلك مواقفها التاريخية واحتضانها الدائم للأشقاء في مختلف المحافل، وما صدر من فئة من الجماهير، إن صح توصيفه كخطأ، يبقى سلوكا معزولا لا يعكس قيم شعب ولا سياسة دولة.
المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل التهدئة، وتحميل المسؤولية لمن يحرّض ويستفز، والعودة إلى روح الرياضة التي تجمع ولا تفرّق، فالمغرب ومصر أكبر من مباراة، وأعمق من صافرة، وأبقى من جدل عابر.


















