واقع البرلمان… وحكاية “الثورة” التي لا تأتي

محرر الموقع3 ديسمبر 2025
 واقع البرلمان… وحكاية “الثورة” التي لا تأتي
بقلم : محمود حاتم

لا شيء يثير الانتباه في المشهد البرلماني المغربي اليوم أكثر من هذا القدر من التشنج اللفظي والتحامل السياسي الذي صار يُصرف داخل المؤسسة التشريعية بلا ضوابط ولا حدود، والمثير أكثر أنّ كل موجات التصعيد الأخيرة تتجه نحو فريق العدالة والتنمية، رغم قلّة عدد أعضائه الذين لا يتجاوزون 13 نائباً، لكن يبدو أنّ القلة لا تمنع الحضور، والحضور لا يعجب البعض.
ما جرى خلال الجلسات الأخيرة يعكس حالة ارتباك في لغة الخطاب السياسي تحت قبّة البرلمان، وزير العدل يرد على تعقيب نائبة للعدالة والتنمية حول موضوع مهنة العدول بوصف كلامها بأنه “بيان قيادة مجلس الثورة” تعبير غريب، ثقيل، وإسقاط غير موفق على سجال برلماني يفترض أن يكون مؤطراً بالاحترام المتبادل.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فحتى رئيس مجلس النواب – الضامن لحرمة النقاش وسلامة مناخ الحوار – اتهم ممثلي الحزب نفسه بأنهم “ماركسيون على سنة الله ورسوله”، عبارة هجينة تجمع المتناقضات، وتكشف أن البعض مازال أسير قواميس أيديولوجية قديمة، يستحضرها كلما ضاقت عليه الحجّة أو خفت صوت الحجة.
وهنا يحق التساؤل : من أوصل هؤلاء الذين يتصرفون اليوم تحت القبة وكأنهم “رعايا القذافي” في زمنه؟ من منحهم سلطة الخطاب دون بوصلة، وسلطة الكلمة دون مسؤولية؟ وكيف تحوّل البرلمان الذي يفترض أن يكون فضاءً للنقاش المتزن، إلى ساحة للمزايدات اللغوية التي لا تخدم الديمقراطية في شيء؟
الحقيقة أنّ خطاب “الثورة” و”الماركسية” لم يخرج بعدُ من ذاكرة بعض المحسوبين على الحداثة والتقدمية داخل البرلمان ، كأنهم لم ينتبهوا إلى أن الزمن السياسي تغيّر، وأن المغاربة لم يعودوا ينتظرون وعظاً إيديولوجياً بقدر ما ينتظرون حلولاً لمشاكلهم، ومواقف تعكس نضج المسؤولية لا خفة الانفعال.
ولعل أبلغ ما قيل في هذا الصراع اللغوي ما جاء في ردّ النائب البرلماني عبد الصمد حيكر حين قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
“إذا كانت هناك ثورة، فيجب أن تكون ثورة على الفساد والبؤس السياسي.”
هي جملة تختصر المسافة بين السياسة التي يريدها المواطن، والسياسة التي يمارسها البعض، فالثورة الحقيقية ليست في الشعارات ولا في قاموس الخصومة، بل في القدرة على مواجهة الاختلالات، ومحاربة الريع، والدفاع عن كرامة الناس.
أما الثورة التي تُصنع بالكلمات تحت القبة، فلا تخلّف إلا ضجيجاً… والبرلمان لا يحتاج مزيداً من الضجيج.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق