محمود حاتم _ يُعدّ إقليم آسا–الزاك أحد أكثر المجالات الجغرافية الصحراوية حساسية ورمزية، نظراً لموقعه الاستراتيجي ودوره المحوري في تاريخ النزاع بالصحراء. فقد شكّل هذا الإقليم، وبخاصة مكوّن قبائل أيتوسى، قاعدة اجتماعية وعسكرية أساسية للدولة المغربية منذ اندلاع الصراع، حيث قدّم الرجال والموارد والولاء دون تردد. ورغم هذا الرصيد النضالي الضخم، يجد الإقليم نفسه اليوم أمام مفارقة واضحة : حضور سياسي ضعيف وتمثيلية غير منصفة، في مقابل تاريخ نضالي استثنائي، وهو ما يعكس عمق أزمة القيادة التي تطبع مسار المكوّن منذ عقود.
أولاً: جذور أزمة القيادة – حين يُهزم المجتمع من داخله
على الرغم من امتلاك مكوّن أيتوسى لمؤهلات بشرية وثقافية وتاريخية وازنة، إلا أنه ظلّ يعاني من غياب نخبة سياسية تمتلك مقومات القيادة الفعلية: الكاريزما، الجرأة، النزاهة، ونكران الذات. فقد كان الجيل الأول مخلصاً في عطائه، إلا أنّ حسن النية وحده لم يكن كافياً لبناء قوة سياسية مؤثرة. فالقيادة التي تولّت تمثيل المكوّن خلال السبعينات والثمانينات افتقرت للرؤية الاستراتيجية، ولم تستطع تحويل الثقة التي وضعتها الدولة في القبيلة إلى مكتسبات مؤسساتية أو تنموية مستدامة. وهكذا، ظلّ “وفاء أيتوسى” كبيراً، بينما بقي “حصادهم السياسي” محدوداً، ما سمح بتآكل المكانة التاريخية للمكوّن وفتح الباب أمام أشكال جديدة من التهميش في مرحلة حساسة من بناء الصحراء المغربية.
ثانياً: أحداث الحاضر – إرث الماضي الذي لم يُعالج
منذ بداية التسعينيات، ومع أحداث انتفاضة آسا سنة 1992، برزت قيادة شبابية جريئة قدّمت خطاباً سياسياً جديداً، لكن النظام السياسي آنذاك لم يستوعب طبيعة هذا الجيل، فتمّت شيطنة الانتماء القبلي وتصويره كأنه تهديد سياسي. وأنتج ذلك: فراغاً سياسياً ابتلعته زعامات ضعيفة؛ تمثيلية انتخابية عاجزة عن الدفاع عن الإقليم؛ استمرار خطاب بيروقراطي متعالٍ في التعامل مع المنطقة. كما عمّقت ملفات أخرى هذا الهامش، مثل: إشكالات تحديد الهوية، طريقة تدبير وكالة الجنوب، تصريحات داخل الكوركاس قلّلت من وزن القبائل شمال الصحراء، ومخاوف الجهوية الموسعة من إعادة رسم النفوذ القبلي. وأفضى ذلك إلى شعور جماعي متزايد بأن أيتوسى أصبحت خارج دائرة التأثير في ملف هي في قلبه تاريخياً.
ثالثاً: الاحتجاجات المتتالية – قوة اجتماعية بلا قيادة سياسية
من اعتصامات حملة الشهادات، إلى أحداث 19 ماي، إلى أحداث تيزيمي، وصولاً إلى موجات الاحتجاج ما بين 2013 و2020، ظلّ الإقليم بؤرة للتوتر الاجتماعي، لكن دون تحويل هذه الهزّات إلى مكاسب سياسية. فالاحتجاج يعبّر عن الغضب، لكنه لا يصنع التغيير في غياب: قيادة سياسية موحدة، مشروع تفاوضي واضح، رؤية استراتيجية، نخب قادرة على اختراق دوائر صناعة القرار. وهو ما لا يتوفر اليوم داخل الإقليم.
رابعاً: مبادرة 2010 – محاولة لكسر الجمود
في 03 دجنبر 2010، صدرت مذكرة “أطر أيتوسى تعلن ميلاد حركة قبائل أيتوسى لرفع التهميش”، والتي قدّمت لأول مرة مشروعاً سياسياً متكاملاً يطالب بإحداث عمالة المحبس–إجديرية. كانت خطوة نوعية لأنها: اقترحت مقاربة سياسية عقلانية، تجاوزت منطق الاحتجاج وحده، اعتمدت قراءة جيو–اقتصادية دقيقة، وخاطبت الإحساس العميق بالغبن داخل الساكنة. لكن غياب التماسك الداخلي وضعف التنسيق بين النخب والممثلين أجهض المبادرة قبل أن تنتج أثراً ملموساً.
خامساً: أخطاء عمّقت الأزمة – حدث المولد النبوي 2011
شهدت زاوية آسا سنة 2011 توافد وفود كبيرة من قبائل تكنة والركيبات، بعضها جاء بعقلية بناء تحالفات سياسية. غير أنّ ممثلي المكوّن اكتفوا بالطقوس الشكلية، وأهدروا فرصة ثمينة لتحويل المناسبة إلى رصيد سياسي. وكان ذلك درساً إضافياً بأن المشكلة ليست في الفرص، بل في القيادات التي تتجاهلها.
سادساً: ملاحظات حول موقع أيتوسى داخل نزاع الصحراء
تقوم مفارقة دقيقة في التعاطي مع الإقليم: البوليساريو تعتبر مناطق أيتوسى “جنوب المغرب”، بينما تعتبرها الدولة المغربية “خارج منطقة النزاع” (أراضي 1958). بين هذين التصنيفين تختفي حقيقة أساسية: جزء مهم من أراضي أيتوسى يوجد ضمن منطقة تماس، وأي حلّ نهائي للنزاع سيعتمد بدرجة كبيرة على كيفية تدبير هذه المجالات. تجاهل هذا الواقع قد يعرض المنطقة لمخاطر مستقبلية، من بينها إعادة توزيع النفوذ أو احتمال بروز توترات قبلية.
سابعاً: رهانات المستقبل – حين لا يصبح التاريخ وحده كافياً
يمتلك المكوّن اليوم ثروة بشرية هائلة تشمل: نخباً سياسية، حقوقيين، مفكرين وباحثين، إعلاميين مؤثرين، فنانين ورياضيين، وذاكرة ثقافية شبابية مبدعة. لكن هذه القوى مشتتة وتفتقر لإطار قادر على توحيدها ضمن مشروع سياسي متكامل.
ثامناً: بروز حراك قبائل أيتوسى ولجان الأرض والتنسيقية (2022)
في سياق تراكم الاحتجاجات وتنامي الإحساس بعدم العدالة الترابية، ظهر سنة 2022 ما بات يُعرف بـ حراك قبائل أيتوسى ولجان الأرض والتنسيقية. تميّز هذا الحراك بطابع سلمي وهيكلة تنظيمية ضمت اجتماعات تشاورية ولجاناً ميدانية وبيانات تهدف إلى بلورة رؤية جماعية حول الأرض والتنمية وتدبير المجال. ورغم محدودية نتائجه المؤسساتية، فقد شكّل مؤشراً على انتقال اجتماعي وسياسي قيد التشكل ومحاولة تجاوز الفراغ القيادي المستمر منذ عقود.
تاسعاً: التفاعلات الأخيرة حول تصريح حمدي ولد الرشيد – إعادة تشكيل موازين القوة داخل الجنوب
أثار التصريح المنسوب لحمدي ولد الرشيد، الذي لمح فيه إلى استثناء جهة كلميم–واد نون من مشروع الحكم الذاتي، موجة واسعة من التفاعل داخل مكوّن أيتوسى. فقد اعتُبر التصريح ذا حمولة سياسية حساسة، لما يحمله من إيحاءات تعيد إنتاج تراتبية جهوية غير مبررة داخل الجنوب. وقد اعتبر العديد من الفاعلين المحليين أن الخطاب يُقصي تاريخ الإقليم ورصيده النضالي، ويفتح الباب أمام تصور خطير يفصل كلميم–واد نون عن المجال الصحراوي الذي كانت جزءاً منه في كل محطات التاريخ السياسي والعسكري. وأظهر حجم الرفض أن المكوّن يمتلك حيوية اجتماعية وسياسية يمكن أن تتحول إلى قوة تفاوضية لو تم تنظيمها، كما كشف أن الغياب عن دوائر القرار يسمح لفاعلين آخرين بالتحدث باسم الجنوب وإعادة ترتيب التوازنات بما قد يتعارض مع مصالح أيتوسى. إن الجدل الذي أثاره التصريح ليس طارئاً، بل مؤشر على ضرورة بناء حضور سياسي قوي يحمي موقع المكوّن داخل ورش الحكم الذاتي ورهاناته الاستراتيجية.
عاشرا : الطريق نحو المستقبل – كيف ننتقل من الفراغ إلى بناء القيادة؟
يتطلب تجاوز الأزمة اعتماد استراتيجية تقوم على :
- بناء مشروع سياسي موحّد يحدد بوضوح: الأرض، التمثيلية، الهوية، المصالح الاستراتيجية.
- خلق قيادة جامعة تضمّ السياسي، الخبير، رجل الأعمال، الميداني، والمفاوض.
- تأسيس إطار مؤسساتي للمكوّن بهئية أو تنسيقية شرعية تمثل مختلف الفروع والمناطق.
- إعادة تعريف العلاقة مع الدولة عبر الانتقال من الاحتجاج إلى: التفاوض، تقديم المبادرات، طرح الملفات بوضوح، إعادة بناء الثقة.
- بناء تحالفات جنوبية خصوصاً داخل: تكنة، أولاد دليم، الركيبات.
حين يعيد المكوّن كتابة تاريخه أزمة القيادة داخل أيتوسى ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لغياب المشروع السياسي، وعندما يبرز المشروع تولد القيادة، ويتحوّل التاريخ من عبء إلى رافعة ، المرحلة المقبلة لا ترحم من يكتفي بالشكوى أو بالنوستالجيا، بل تحتاج إلى قيادة واعية تضع مصلحة الأرض والإنسان فوق كل الحسابات، وتستثمر ما تبقى من رصيد القبيلة قبل أن يتحول إلى مجرد ذكرى.









