خاص – [الغدنيوز/محمود حاتم]
لم تعد سوق المحروقات في المغرب صندوقاً أسود كما كانت في السابق. فمع توالي التقارير الفصلية لمجلس المنافسة في إطار تتبع التزامات شركات التوزيع، بدأت تتشكل صورة أوضح لعام 2025، صورة تكشف عن سوق ينمو باطراد، لكنه لا يزال يخضع لمجهر دقيق فيما يتعلق بمدى نزاهة عكس الأسعار الدولية على جيوب المغاربة.
من خلال قراءة تحليلية في تقريري الربعين الثاني والثالث لعام 2025، نرصد ثلاث ظواهر اقتصادية كبرى ميزت سوق الغازوال والبنزين بالمملكة.
ولعل أبرز ما كشفته لغة الأرقام هو أن الطلب الداخلي على الوقود لم يتأثر بالتقلبات الاقتصادية، فقد سجلت مبيعات المحروقات منحى تصاعدياً مستمراا:
-
في الربع الثاني: بيع ما يقارب 1.88 مليار لتر (زيادة 3.8%).
-
في الربع الثالث: قفز الرقم إلى 1.98 مليار لتر (زيادة 4.2%).
لكن المفارقة المثيرة تكمن في فاتورة الواردات، ففي الربع الثاني، وبينما ارتفعت كمية الواردات، انخفضت قيمتها المالية بـنسبة كبيرة بلغت 22% (لتستقر عند 10.93 مليار درهم) نتيجة تراجع الأسعار الدولية، هذا المعطى يطرح السؤال الجوهري: إذا كانت الشركات قد اشترت الوقود بأسعار أرخص بكثير، فلماذا لم يشعر المواطن بانخفاض مماثل في محطات الوقود؟
هنا يضع مجلس المنافسة إصبعه على الجرح بدقة متناهية، راصداا تباينا في سلوك الشركات بين فصلي السنة:
-
سيناريو الربع الثاني: رصد التقرير أن انخفاض تكلفة الشراء من الخارج لم ينعكس بنفس الدرجة على سعر البيع للعموم. الأرقام تتحدث: انخفضت تكلفة شراء الغازوال بـ 0.98 درهم/لتر، لكن الشركات لم تخفض السعر في المحطات سوى بـ 0.47 درهم/لتر. بمعنى آخر، احتفظت الشركات بجزء من هامش الانخفاض لنفسها بدل تمريره للمستهلك، وهو ما يفسر التريث في خفض الأسعار.
-
سيناريو الربع الثالث : يبدو أن “عين المجلس” قد دفعت نحو مزيد من الانضباط، ففي هذا الربع، جاءت تقلبات الأسعار شبه متطابقة.
-
عندما ارتفعت التكلفة بـ 0.21 درهم، زاد السعر بـ 0.18 درهم.
-
وعندما انخفضت تكلفة البنزين بـ 0.10 درهم، انخفض السعر بـ 0.13 درهم. هذا التحول يشير إلى أن آلية السوق بدأت تعمل بشكل “أكثر تناسقاً” تحت ضغط الرقابة، حيث أصبح تمرير الزيادات أو التخفيضات يتم بشكل فوري وشبه كامل.
-
بعيداً عن جدل الأسعار، يؤكد التقريران أن سوق المحروقات بالمغرب يغادر تدريجيا مرحلة “الانغلاق”، فقد ارتفع عدد الفاعلين في التوزيع إلى 39 شركة بنهاية شتنبر 2025، مما يعني دخول فاعلين جدد ومحاولة كسر الاحتكار التقليدي للشركات الكبرى.
وعلى صعيد خزينة الدولة، يظل القطاع “بقرة حلوبا” بامتياز، ففي الربع الثالث وحده، ورغم تذبذب الأسعار، ضخت واردات المحروقات حوالي 7.83 مليار درهم في ميزانية الدولة (عبر الضريبة الداخلية على الاستهلاك TIC والضريبة على القيمة المضافة TVA)، مما يؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع في التوازنات المالية للمملكة.
وتكشف تقارير 2025 أن معركة “شرح الأسعار” قد بدأت تؤتي أكلها، فبينما كان الربع الثاني شاهدا على تباطؤ الشركات في خفض الأسعار، جاء الربع الثالث ليثبت أن الرقابة المستمرة تدفع نحو “سوق أكثر شفافية”، ومع ذلك، يظل المواطن يترقب اليوم الذي تنعكس فيه انخفاضات السوق الدولية على “الطوطم” في محطة الوقود بنفس السرعة التي تنعكس بها الارتفاعات.














