مجلس السلام” الترامبي.. أو خصخصة النظام العالمي بمليار دولار

محرر الموقع22 يناير 2026
مجلس السلام” الترامبي.. أو خصخصة النظام العالمي بمليار دولار

في مشهد سريالي يعيد تشكيل أبجديات السياسة الدولية، لم يعد دونالد ترامب يتحدث بصفته رئيسا للولايات المتحدة فحسب، بل كرئيس تنفيذي للعالم، التصريح الأخير الذي ظهر فيه ترامب وهو يبشر بنهاية الأمم المتحدة “الفاشلة” -على حد وصفه- واستبدالها بكيان جديد تحت مسمى “مجلس السلام”، لا يعد مجرد خطاب سياسي معتاد، بل هو إعلان صريح عن تدشين حقبة “خصخصة النظام العالمي”.

لم تعد العضوية في النادي الدولي حقا سياديا للدول، بل سلعة معروضة للبيع، “مليار دولار نقدا وعاجلا”.. هكذا حدد “رجل العقارات” ثمن تذكرة الجلوس على طاولته، هذا الشرط المالي الفج ينسف عقودا من الأعراف الدبلوماسية التي قامت عليها هيئة الأمم المتحدة، ليستبدلها بنظام يشبه مجالس إدارة الشركات الكبرى: من يملك المال يملك القرار، ومن يدفع يضمن الحماية.

إن خطورة هذا الطرح لا تكمن فقط في التكلفة المادية، بل في الهيكلة الإدارية لهذا المجلس المقترح. ترامب ينصب نفسه رئيسا لهذا المجلس بصلاحيات مطلقة، ويحدد ولاية الأعضاء بثلاث سنوات قابلة للتجديد “بموافقته”، نحن هنا أمام تحول خطير من “النظام الدولي متعدد الأطراف” إلى “نظام الولاء الشخصي”، العالم وفق هذا المنظور ليس بحاجة إلى توافق أممي، بل إلى مدير قوي يوزع الأدوار والمقاعد وفقا لمعايير الرضا والامتثال.

ولعل أخطر ما في هذه “الصفقة” هو لغة التهديد المبطنة والعلنية التي ترافقها، النموذج الذي ساقه ترامب حول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان رسالة تحذير صارخة لكل العواصم: “الانضمام أو العقاب”، التلويح بفرض رسوم جمركية بنسبة 200% على النبيذ الفرنسي لإجبار باريس على الانضمام، يعني أن الدبلوماسية قد أخلت مكانها لسياسة “لي الذراع” الاقتصادية.

قد ينظر البعض إلى هذا المشروع على أنه مجرد شطحة من شطحات ترامب، لكن وصول بطاقات الدعوة إلى 60 رئيس دولة، بمن فيهم فلاديمير بوتين، وتفاعل العديد منهم بالإيجاب، يشير إلى أن العالم قد يكون مهيأ بالفعل، أو مجبرا، على قبول قواعد اللعبة الجديدة.

إن مشروع “مجلس السلام” الذي بدأ كفكرة لإعادة إعمار غزة، تضخم ليصبح بديلا للنظام العالمي القائم. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم أمامنا في “الدول العربية و الإسلامية” وأمام الدول النامية : أين هو موقعنا في “نادي النخبة” هذا الذي يشترط المليارات؟ وهل نحن أمام “مجلس للسلام” حقا، أم أمام شركة قابضة لإدارة العالم، يكون فيها البقاء للأغنى، لا للأصلح؟

الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كان هذا الطرح سيؤسس لاستقرار عالمي جديد كما يدعي صاحبه، أم سيقودنا إلى شريعة غاب تحكمها الصفقات لا القوانين.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق