ثقافة التخريب: معركة وعي قبل أن تكون معركة قانون

محرر الموقع10 ديسمبر 2025
ثقافة التخريب: معركة وعي قبل أن تكون معركة قانون

في الوقت الذي تبذل فيه مؤسسات الدولة والشركات المكلفة بأشغال التهيئة الحضرية مجهودات كبيرة لتحسين جودة الحياة داخل المدن المغربية، تطفو على السطح ظاهرة مقلقة تُقوّض هذه الجهود وتسيء إلى صورة المجتمع: ثقافة تخريب الممتلكات العامة.
ما شهدته مدينة آسا مؤخراً من اعتداءات على تجهيزات وفضاءات عمومية مرتبطة بأشغال التهيئة الحضرية، يعيد إلى الواجهة سؤالاً ملحّاً: كيف يمكن لمجتمع يسعى إلى التطور أن يسمح بانتشار سلوك يهدم ما يُبنى، ويمحو أثر الاستثمارات التي تستهدف خدمته قبل أي شيء آخر؟

الممتلكات العامة ليست حجراً صامتاً ولا “ملكاً بلا صاحب”، بل هي حق جماعي ومشترك، اعتدت الدولة والجماعات الترابية على تخصيص ملايين الدراهم لتأهيله، بهدف خلق بيئة حضرية لائقة، ومساحات تليق بالمواطن. حين يُخرّب مقعد أو إنارة أو شارع جديد، لا يتضرر المسؤولون ولا الشركات بقدر ما يتضرر المواطن نفسه الذي كان سيستفيد من هذه البنية.

الأخطر من ذلك أن هذا السلوك التخريبي يعكس ثغرة ثقافية وتربوية، ويطرح إشكاليات تتعلق بضعف الوعي المدني، وغياب الشعور بالانتماء، وانعدام احترام المشترك. مجتمع لا يحمي فضاءه العام، مجتمع يحرم نفسه من أبسط شروط التقدم.

المطلوب اليوم ليس فقط إصلاح ما أُتلف، بل إصلاح ما يسبق التخريب: الوعي، لا بد من إدماج قيم المواطنة في المدرسة والأسرة، وإطلاق حملات تواصلية قوية داخل الأحياء، وتشجيع الشباب على تبنّي الفضاءات العامة بدل تدميرها، كما أن تطبيق القانون بصرامة سيبعث رسالة واضحة مفادها أن الممتلكات العامة خط أحمر.

إن معركة الحفاظ على الفضاء المشترك ليست مسؤولية السلطات وحدها، بل هي معركة مجتمع كامل، فإذا أردنا مدناً جميلة، آمنة، ومتقدمة، فعلينا أن نرسّخ ثقافة تحمي الحجر كما تحمي البشر، وألا نسمح لأقلية مُخرّبة بأن تُشوّه وجه مدننا وتُعطّل مسار التنمية.

هذه معركة وعي قبل أن تكون معركة قانون… ولا تنمية دون مواطنة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق