القبضة الرقمية الخفية… كيف تؤثر شبكات وهمية في الانتخابات المغربية؟

محرر الموقع1 ديسمبر 2025
القبضة الرقمية الخفية… كيف تؤثر شبكات وهمية في الانتخابات المغربية؟

يكشف تحقيق استقصائي حديث لمنظمة “أريج” جانبًا مظلمًا من المشهد السياسي الرقمي في المغرب، بعد أن استطاع فريق صحفي متخصص تتبّع شبكة كبيرة من الحسابات الوهمية التي تعمل بشكل منسّق منذ عدة سنوات، بهدف التأثير على النقاش العمومي والعمليات الانتخابية. التحقيق لا يكشف فقط طبيعة هذه الشبكات، بل يشرح أيضًا المنهجية التقنية التي استُخدمت لكشفها، في سابقة تُسلّط الضوء على المخاطر التي تتهدد الديمقراطية في العصر الرقمي.

حسابات حقيقية بأسماء وهمية… وأنشطة مُصمَّمة بدقة

اكتشف الفريق الصحفي أن أكثر من 140 حسابًا على منصات التواصل الاجتماعي تعمل بأسلوب مكرر ونسقي، تُعيد نشر التعليقات ذاتها مع فوارق زمنية بسيطة.
هذه الحسابات، التي تبدو في ظاهرها طبيعية، تستخدم صورًا عشوائية وأسماء مختلفة، لكنها تشترك في ثلاث خصائص:

  1. نمط موحّد في التعليق والنشر
    تُعيد الجماعة ذات المحتوى نفسه على عشرات المنشورات في دقائق معدودة.
  2. استهداف سياسي ممنهج
    تروّج روايات معينة بشكل إيجابي، وتهاجم أطرافًا أخرى، بما يعكس وجود “خط تحرير” واحد خلفها.
  3. نشاط مكثف في اللحظات السياسية الحساسة
    خاصة خلال الانتخابات أو عند حدوث توترات سياسية داخلية.

هذه العناصر مجتمعة كانت المؤشر الأول نحو وجود حملة تأثير رقمية منسقة.

**كيف كُشف هذا النشاط؟

التحقيق يعتمد على تقنيات متطورة في التحليل الرقمي**

اعتمد التحقيق الاستقصائي على مزيج من الأدوات التقنية والتحليل الصحفي، من بينها:

1. تحليل الأنماط (Behavioral Analysis)

درس الفريق توقيت نشر التعليقات، فوجد أن عشرات الحسابات تنشر التعليق نفسه خلال ثوانٍ أو دقائق، وهو سلوك لا يقوم به مستخدمون حقيقيون عادة، بل يشير إلى “تشغيل جماعي” عبر أدوات إدارة المحتوى.

2. تتبع الروابط المشتركة (Link Mapping)

عند تحليل المنشورات، ظهر أن الحسابات الوهمية تشارك الروابط ذاتها، وتهاجم أو تدافع عن الشخصيات نفسها، مما يشير إلى وجود جهة مركزية توجهها.

3. كشف الصور المتكررة (Reverse Image Search)

استخدم الصحفيون تقنية البحث العكسي عن الصور، ليتبيّن أن العديد من صور الحسابات مسروقة من مواقع أجنبية، أو مأخوذة من قواعد بيانات صور جاهزة.

4. تحليل الشبكات (Network Graph Analysis)

تم رصد اتصالات غير مباشرة بين الحسابات، عبر خوارزميات تكشف التشابه في طريقة الكتابة، أوقات النشاط، أو المحتوى.

5. مقارنة أنماط المحتوى خلال فترات انتخابية

أظهر التدقيق أن نشاط هذه الحسابات يرتفع بشكل حاد قبل الانتخابات أو خلال لحظات الاحتقان السياسي، في مؤشر على طبيعتها الدعائية.

التلاعب الرقمي… تهديد صامت للانتخابات

تكشف نتائج التحقيق أن هذه الشبكات ليست مجرد “تشويش رقمي”، بل هي استراتيجية تأثير سياسي تهدف إلى:

  • تضخيم روايات محددة لخدمة طرف سياسي معين
  • تشويه الخصوم عبر تعليقـات هجومية متكررة
  • خلق انطباع بوجود رأي عام منظم، بينما الحقيقة هي “ضجة رقمية مصطنعة”
  • التأثير في مزاج الناخب قبل اتخاذ القرار

وتعد هذه التقنية جزءًا من ما يُعرف عالميًا بـ:

الدعاية المعلوماتية (Computational Propaganda)
وهي استخدام الحسابات الآلية، والذكاء الاصطناعي، والمحتوى المنسق لتوجيه الرأي العام.

ثغرات في القانون… وخطر على نزاهة الانتخابات

ورغم وجود قوانين تمنع نشر الإشاعات أو التمويل غير الشرعي للحملات، إلا أن التشريعات المغربية لا تتضمن نصوصًا واضحة تخص “الحسابات الوهمية” أو “اللجان الرقمية الموجهة”.

هذا الفراغ يسمح بوجود حملات كاملة تعمل في الظل دون إمكانية مساءلة واضحة.

لماذا يهم هذا التحقيق؟

لأن كشف هذه الشبكة:

  • ينبه الرأي العام إلى خطر “التضليل الرقمي”
  • يطرح سؤالًا كبيرًا حول نظافة المنافسة السياسية
  • يفتح نقاشًا حول ضرورة تحديث القوانين الانتخابية
  • يعري أساليب جديدة غير مرئية تؤثر في مستقبل الديمقراطية

نحو رقابة رقمية أذكى

ولمواجهة هذا النوع من التلاعب، يقترح خبراء الرقمنة:

  1. تحديث القوانين لتجريم تشغيل الحسابات الوهمية سياسيًا
  2. فرض شفافية أكبر على الحملات الرقمية
  3. إشراك هيئات مستقلة في مراقبة الفضاء الإلكتروني
  4. تعزيز التربية الإعلامية لدى المواطنين

وفي الاخير يكشف التحقيق أن المعركة الانتخابية في المغرب لم تعد تتم فقط في المقرات الحزبية والميادين، بل انتقلت إلى المختبرات الرقمية، حيث تدير “لجان خفية” حملات تأثير متقنة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وحسابات مزيفة.
إنها حرب جديدة… بلا وجوه، ولا شعارات، ولا منشورات ورقية.
حرب تُخاض خلف الشاشات، وتُصنع فيها مواقف المواطنين دون أن يشعروا أن الأصوات التي يقابلونها يوميًا ليست أصواتًا بشرية… بل “هندسة سياسية رقمية”.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق