كشف تقرير حديث صادر عن العصبة المغربية لحقوق الإنسان عن وجود اختلالات عميقة يعرفها قطاع تربية المواشي وتسويق الأضاحي بالمغرب، معتبراً أن الأزمة الحالية ليست ظرفية، بل نتيجة تراكمات ناجمة عن سياسات عمومية وصفها بغير الناجعة في تدبير القطاع الفلاحي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.
وأوضح التقرير أن أسعار الأغنام والماعز سجلت خلال شهر ماي 2026 مستويات قياسية، إذ تراوح ثمن الأضاحي الصغيرة بين 2500 و3000 درهم، بزيادات تراوحت ما بين 700 و1300 درهم مقارنة بموسم 2024، الأمر الذي جعل اقتناء الأضحية خارج متناول عدد كبير من الأسر المغربية، خصوصاً الفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وأشار التقرير إلى أن هذه الزيادات ساهمت في تراجع الإقبال على اقتناء الأضاحي، كما أبرز وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد وفرة القطيع الوطني، وبين ما يعيشه المواطنون داخل الأسواق من ندرة في العرض وارتفاع في الأسعار.
وفي ما يتعلق بالمعطيات الرسمية، سجلت العصبة وجود تفاوت في الأرقام المتعلقة بالقطيع الوطني، إذ تشير بيانات وزارة الفلاحة إلى توفر أكثر من 32 مليون رأس خلال الفترة 2025-2026، بينها 23.1 مليون رأس من الأغنام، بينما تعكس المؤشرات الميدانية واقعاً مغايراً، وهو ما اعتبره التقرير سبباً في إضعاف ثقة المواطنين في الأرقام الرسمية وإثارة حالة من الشك وعدم اليقين.
وأكد التقرير أن غياب التوازن بين العرض والطلب أدى إلى تفاوت كبير في الأسعار بين مختلف الأسواق والجهات، في ظل ضعف آليات تنظيم السوق وغياب الشفافية، إلى جانب تنامي دور الوسطاء غير المنظمين، الأمر الذي فتح المجال أمام المضاربة والتلاعب بالأسعار.
ودعت العصبة إلى اعتماد سياسة واضحة لنشر بيانات دقيقة ومحدثة حول وضعية القطيع الوطني، بما يضمن الحق في الحصول على المعلومة ويعزز مبادئ الحكامة والشفافية، معتبرة أن غياب المعطيات الدقيقة يربك قرارات المربين والتجار ويزيد من اضطراب السوق.
كما انتقد التقرير ما وصفه بتوظيف ملف القطيع الوطني في التجاذبات السياسية والاستحقاقات الانتخابية، مشيراً إلى تضارب تصريحات مسؤولين حكوميين بشأن العدد الحقيقي للقطيع، الذي تراوح في التصريحات الرسمية بين 32 و40 مليون رأس.
ومن جهة أخرى، سلط التقرير الضوء على استمرار هيمنة السماسرة والوسطاء على قنوات تسويق المواشي، موضحاً أن المربي غالباً ما يبيع إنتاجه بأسعار منخفضة لا تغطي تكاليف الإنتاج، في حين يصل المنتج إلى المستهلك بأثمان مرتفعة نتيجة تعدد حلقات الوساطة، دون تحقيق أي قيمة مضافة حقيقية.
واعتبرت العصبة أن استمرار هذه الممارسات يساهم في تكريس المضاربة وتحقيق أرباح غير مبررة على حساب المستهلكين، في ظل غياب إجراءات رقابية صارمة ورادعة، وهو ما ينعكس سلباً على تنافسية السوق وعلى حماية حقوق المستهلك.
وفي ختام التقرير، دعت العصبة المغربية لحقوق الإنسان إلى مراجعة شاملة لمنظومة مراقبة الأسواق، مع اعتماد وسائل تكنولوجية حديثة لتتبع حركة المواشي والأسعار عبر مختلف مراحل التسويق، مؤكدة أن الرقابة ينبغي أن تكون استباقية ودائمة، وليس مجرد تدخل بعد وقوع الاختلالات.
كما طالبت بتشديد العقوبات على المتورطين في التلاعب بالأسعار، وإعادة تقييم الرسوم والجبايات المفروضة عند الولوج إلى أسواق المواشي، بما يساهم في تنظيم القطاع، والحد من المضاربات، وتحقيق تنمية مستدامة تضمن التوازن بين مصالح المربين والتجار والمستهلكين.




















