حين تصل ميزانية التسيير المقترحة لجهة كلميم وادنون برسم سنة 2027 إلى 564 مليوناً و982 ألفاً و608 دراهم، يصبح من المشروع ألا تقتصر المناقشة على سؤال: كم ستصرف الجهة؟، بل يجب أن تنتقل إلى السؤال الأكثر إحراجاً: أين ستذهب هذه الأموال فعلاً، وما الذي سيشعر به المواطن في كلميم وطانطان وسيدي إفني وآسا الزاك مقابل كل هذه الملايين؟
مشروع الميزانية المقدم للمجلس خلال اشغال الدورة العادية لشهر أكتوبر يكشف منذ صفحاته الأولى، عن مفارقة واضحة. فمن أصل حوالي 565 مليون درهم من موارد التسيير، تأتي أكثر من 530 مليون درهم من حصة الجهة من ضرائب الدولة، أي ما يقارب 94 في المائة من مجموع الموارد. أما الموارد الذاتية المباشرة للجهة، من رسوم ومداخيل أملاك وغيرها، فتبقى محدودة للغاية. وبعبارة أبسط: الجهة تدبر مئات الملايين، لكنها لا تنتج بنفسها إلا جزءاً ضئيلاً جداً من مواردها.
وهنا يطرح أول سؤال حول النموذج المالي نفسه: كيف يمكن الحديث عن تنمية جهوية قوية ومستقلة في الوقت الذي تبقى فيه مالية الجهة شديدة الارتهان للتحويلات وحصتها من الموارد الوطنية؟
القانون التنظيمي رقم 111.14 يجعل الميزانية وفتح الاعتمادات وتحويلها من صميم اختصاصات مجلس الجهة، أي إن الأرقام ليست مجرد عملية محاسبية تقنية، وإنما اختيارات يفترض أن تخضع للنقاش والمساءلة السياسية والمؤسساتية.
خدمة الدين تقفز… والاجتماعي يتراجع
المثير للانتباه أكثر يوجد في نفقات التسيير. فالمشروع يقترح حوالي 95.24 مليون درهم لنفقات التسيير خلال 2027 مقابل 87.71 مليون درهم في اعتمادات 2026. لكن داخل هذه الزيادة تظهر أولوية يصعب تجاهلها: بند الأنشطة المالية المتعلقة بالديون ينتقل من حوالي 13.2 مليون درهم إلى أكثر من 22.38 مليون درهم.
نحن أمام زيادة تقارب 9.18 ملايين درهم في سنة واحدة، أي ما يقارب 70 في المائة.
وفي الوقت نفسه، ينخفض برنامج المساعدة الاجتماعية من حوالي 20.916 مليون درهم إلى 18.504 مليون درهم، أي بتراجع يفوق 2.4 مليون درهم.
هذه الأرقام لا تحتاج إلى خطاب سياسي حتى تطرح السؤال بنفسها: لماذا ترتفع كلفة الدين بهذا الحجم، بينما تتراجع الاعتمادات الاجتماعية؟
ولا تكفي هنا إجابة عامة من قبيل أن القروض موجهة للاستثمار. المطلوب، أمام تضخم خدمة الدين، هو توضيح حجم المديونية، وطبيعة المشاريع التي مولتها هذه القروض، وما تحقق منها، وما إذا كانت مردوديتها الاجتماعية والاقتصادية تبرر أن تدفع ميزانية 2027 هذه الفاتورة المتزايدة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن مشروع ميزانية 2027 تشير إلى ارتفاع نفقات التسيير بنسبة 17 في المائة، بينما مقارنة الرقمين الواردين في الجدول، 87.7 مليوناً و95.24 مليوناً، تعطي زيادة تقارب 8.6 في المائة فقط.
إن كان الأمر خطأً في التحرير، فهو يحتاج إلى تصحيح. وإن كانت نسبة 17 في المائة محسوبة على أساس آخر، فمن حق أعضاء المجلس والرأي العام معرفة ذلك الأساس. فالميزانية ليست وثيقة تحتمل الغموض في النسب.
14 مليون درهم للوكالة… ثم أكثر من 102 مليون أخرى لتنفيذ المشاريع
ضمن الجزء الأول من الميزانية نجد 14 مليون درهم تحت بند المخصصات المرصودة للوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، مقابل 12 مليوناً سنة 2026 .
ثم نصل إلى ميزانية التجهيز، فنجد ما مجموعه 102.55 مليون درهم مخصصاً لمشاريع عبر الوكالة نفسها، منها 32 مليون درهم للبرنامج الاستعجالي لإعادة التأهيل الحضري، و15 مليوناً لبرنامج مرتبط بالمجالات الواحية ومواجهة الحرائق، و55.55 مليوناً لبرنامج الماء والسدود الصغرى والبحيرات التلية.
وجود هذه الاعتمادات لا يعني في ذاته تبذيراً؛ فالوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع أداة قانونية لتنفيذ برامج الجهة. لكن الرقم الكبير يجعل السؤال عن الكلفة والفعالية ونسبة الإنجاز سؤالاً مركزياً.
بمعنى آخر: إذا دفعت الجهة ملايين الدراهم لتسيير جهاز للتنفيذ، ثم حولت إليه عشرات الملايين لإنجاز المشاريع، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بعرض الاعتمادات، بل تقديم حصيلة دقيقة: ماذا أنجزت الوكالة؟ كم مشروعاً اكتمل؟ كم مشروعاً تأخر؟ وما كلفة كل مشروع مقارنة بما كان مبرمجاً؟
ومن دون هذه المؤشرات، تتحول الميزانية من أداة لقياس النتائج إلى مجرد لائحة للاعتمادات.
عشرات الملايين تحت عناوين واسعة
المشروع يقترح كذلك 10 ملايين درهم للدراسات والمساعدات التقنية.
وهو بند يستحق تدقيقاً خاصاً. عشرة ملايين درهم ليست مبلغاً هامشياً. والسؤال المشروع هو: ما الدراسات التي ستنجز بهذه الملايين؟ من سينجزها؟ وما علاقتها بمشاريع قابلة للتنفيذ؟
في المالية العمومية، لا يمكن وصف بند الدراسات وحده بأنه تبذير من دون معرفة الصفقات والنتائج. لكن تراكم الدراسات التي لا تتحول إلى مشاريع أو إعادة طلب دراسات حول الملفات نفسها يمكن أن يصبح باباً لاستنزاف المال العام. والوثيقة المعروضة، في صيغتها الحالية، لا تقدم تفاصيل كافية للحكم على ذلك.
وهذا هو بالضبط ما يستدعي مطالبة المجلس بكشف لائحة الدراسات، قيمتها الفردية، أصحاب الصفقات، وآجال استثمار نتائجها.
16 مليون درهم لدعم الخطوط الجوية
ومن البنود التي تستوقف القارئ تخصيص 16 مليون درهم للمساهمة في دعم الخطوط الجوية الرابطة بين الجهة والمطارات الوطنية والدولية.
هنا أيضاً لا يمكن اعتبار دعم الربط الجوي تبذيراً بصورة تلقائية؛ ففك العزلة وتحسين الولوجية يمكن أن يكونا جزءاً من سياسة التنمية والاستثمار والسياحة. لكن عندما يتعلق الأمر بـ16 مليون درهم من المال العام، يصبح ضرورياً نشر الأرقام التي تبرر هذا الدعم:
كم عدد المسافرين المستفيدين؟ ما نسبة ملء الرحلات؟ ما الكلفة العمومية لكل مسافر؟ وما الأثر الاقتصادي الذي حققته الاتفاقية؟
دعم خط جوي من دون نشر مؤشرات مردوديته يجعل المواطن مطالباً بتمويل خدمة لا يعرف بالضبط ماذا تحقق منها.
70 مليوناً للتأهيل الحضري… و32 مليوناً أخرى ضمن البرنامج نفسه
تتضمن ميزانية التجهيز حوالي 70 مليون درهم لبرنامج استعجالي لإعادة التأهيل الحضري لأقاليم الجهة. وفي جدول آخر نجد 32 مليون درهم مساهمة للجهة في مشاريع البرنامج الاستعجالي لإعادة التأهيل الحضري التي ستتولى الوكالة الجهوية تنفيذها.
لا يمكن الجزم من الوثيقة المختصرة إن كان المبلغان يمثلان اعتمادات منفصلة ضمن مكونات مختلفة للبرنامج أم أن هناك تداخلاً في طريقة عرضهما. وهذه بالضبط نقطة تستدعي جواباً واضحاً.
لأن الحديث هنا ليس عن بضعة آلاف من الدراهم، بل عن عشرات الملايين تحت عنوان متقارب.
ويجب أن يعرف الرأي العام: أين توجد المشاريع بالتحديد؟ كيف توزع الاعتمادات بين الأقاليم والجماعات؟ ما الأشغال المزمع إنجازها؟ وما آجالها؟
ثم تأتي المفاجأة الأكبر: أكثر من 203 ملايين درهم فائض غير مبرمج
أقوى رقم في الوثيقة ربما ليس ما تم صرفه، بل ما لم تتم برمجته أصلاً.
المذكرة تنتهي بتسجيل:
“الفائض التقديري غير المبرمج هو: 203,229,084.77 درهم.”
أي أكثر من 20 مليار سنتيم.
هذا المبلغ وحده يعادل نحو 36 في المائة من مجموع موارد التسيير المقدرة للجهة.
هنا يصبح السؤال ثقيلاً: كيف يمكن لجهة تواجه حاجيات في الماء والتشغيل والبنية التحتية والنقل والمجال القروي والتأهيل الحضري أن تقدم مشروع ميزانيتها وفيه أكثر من 203 ملايين درهم كفائض تقديري غير مبرمج؟
وجود فائض في الميزانية ليس، في حد ذاته، دليلاً على سوء التدبير أو التبذير؛ فقد يرتبط بقواعد التوازن المالي أو بالتزامات وبرامج ستبرمج لاحقاً. كما أن الممارسة المالية للجماعات الترابية تعرف برمجة اعتمادات إضافية انطلاقاً من الفائض الحقيقي بعد إقفاله والمصادقة عليه.
لكن ضخامة المبلغ تجعل تركه بلا وجهة مفصلة في الوثيقة سؤالاً مشروعاً للغاية.
203 ملايين درهم ليست هامشاً محاسبياً. إنها ميزانية مشاريع كاملة.
وكان من المنتظر أن يصاحب هذا الرقم، على الأقل، تصور أولي لأولويات استعماله: هل سيذهب إلى الماء؟ الطرق؟ الاستثمار؟ التشغيل؟ الصحة؟ فك العزلة؟ أم سيعاد توزيعه لاحقاً في اتفاقيات واعتمادات متفرقة؟
المفارقة: وفرة مالية مقابل أسئلة حول جودة الإنفاق
الوثيقة تكشف أن حوالي 469.74 مليون درهم سيتم تحويلها من الجزء الأول إلى الجزء الثاني من الميزانية، أي إلى التجهيز والاستثمار. وهذا رقم مهم ويمثل أكثر من أربعة أخماس الموارد.
لكن المشكلة في المالية العمومية ليست دائماً في غياب الاعتمادات.
المشكلة قد تكون في قدرة المؤسسة على تحويل المال المرصود إلى مشاريع منجزة وفي الوقت المحدد وبالكلفة المعلنة.
ولهذا فإن الحديث عن “التبذير” لا يمكن إثباته من مشروع الميزانية وحده. إثبات الهدر فعلاً يتطلب الاطلاع على الصفقات، أوامر الأداء، تقارير تنفيذ الميزانية، نسب إنجاز المشاريع، تقارير الافتحاص والمجلس الجهوي للحسابات، وكلفة المشاريع مقارنة بنتائجها.
لكن مشروع 2027، حتى قبل الوصول إلى هذه الوثائق، يضع أمام الرأي العام مجموعة من مناطق الخطر المالي التي تستوجب المساءلة: ارتفاع كبير في خدمة الدين، 10 ملايين للدراسات، ملايين لتسيير وتنفيذ المشاريع عبر الوكالة، 16 مليوناً لدعم الطيران، اعتمادات ضخمة بعناوين عامة للتأهيل، وفي النهاية 203 ملايين درهم تبقى خارج البرمجة التفصيلية المعروضة.
ميزانية تحتاج إلى أكثر من التصويت
ليست القضية إذن أن مجلس جهة كلميم وادنون “لا يملك المال”. الأرقام تقول العكس: هناك مئات الملايين.
القضية الحقيقية هي جودة توجيه هذا المال، وشفافية تفاصيله، ومردوديته الفعلية.
فميزانية بحوالي 565 مليون درهم، مع فائض غير مبرمج يفوق 203 ملايين، لا ينبغي أن تمر في نقاش تقني حول الأبواب والفصول فقط.
السؤال الذي يجب أن يكون في قلب النقاش هو:
ماذا تغير مئات الملايين فعلياً في حياة سكان الجهة؟
وإذا كانت الجهة قادرة على توفير فائض يتجاوز 20 مليار سنتيم، وفي الوقت نفسه تتحمل ارتفاعاً حاداً في تكلفة الدين وتخفض بعض الاعتمادات الاجتماعية، فإن النقاش الحقيقي يجب أن يبدأ من هنا، لا أن ينتهي عند المصادقة على الجداول.
فالمال موجود. والسؤال هو أين تذهب الأولويات، وكيف تُصرف الملايين، ومن يحاسب على النتائج.




















