انتهت الانتخابات… فهل تبدأ السياسة في آسا الزاك؟

محرر الموقع5 أكتوبر 2026
انتهت الانتخابات… فهل تبدأ السياسة في آسا الزاك؟
بقلم : محمود حاتم
بقلم : محمود حاتم

 

أسدل الستار على الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، وانتهت معها مرحلة انتخابية بكل ما حملته من تنافس واستقطاب وتدافع سياسي، قبل أن يعين جلالة الملك محمد السادس السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة ويكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة. وهكذا تدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة، يفترض أن تُطوى معها حسابات الحملات الانتخابية، وأن تبدأ مرحلة المسؤولية والمحاسبة والعمل.

لكن في آسا الزاك، لم تبدأ الانتخابات يوم فتح مكاتب التصويت أبوابها، بل بدأت قبل ذلك بسنوات.

فمنذ سنتين أو ثلاث تقريباً، عاش الإقليم على وقع حالة غير مسبوقة من الاستقطاب على مواقع التواصل الاجتماعي، تزامنت مع بروز ما أطلق عليه إعلامياً وفي النقاش المحلي “حراك قبائل أيتوسى”، وتحول النقاش في كثير من الأحيان من اختلاف سياسي مشروع إلى حملات تشهير وتخوين وضرب في الأعراض واستهداف لأشخاص ومنتخبين من أبناء الإقليم.

والمثير أن بعض الأطراف قدمت نفسها، طوال هذه الفترة، باعتبارها عنواناً للإصلاح وحاملةً لمشروع محاربة الفساد، وكأن المشهد المحلي لم يعرف قبل ظهورها غيورين أو كفاءات أو أصواتاً إصلاحية.

لكن السياسة لا تختبر بالشعارات، بل بالمواقف.

وعند أول امتحان حقيقي، وجد الرأي العام نفسه أمام تحالفات وتموقعات سياسية أثارت أسئلة مشروعة حول المسافة بين خطاب الأمس وممارسة اليوم، خاصة عندما اختار بعض من رفعوا راية مواجهة الفساد الاصطفاف إلى جانب أحزاب وفاعلين كانوا، إلى وقت قريب، موضوعاً لانتقاداتهم الحادة.

وهنا يحق للمواطن أن يسأل: إذا كانت المرجعية هي فعلاً محاربة الفساد، فهل يمكن تغيير المواقف بمجرد تغير الحسابات الانتخابية؟ وهل تصبح الممارسات التي كانت مدانة بالأمس مقبولة اليوم فقط لأن ميزان التحالفات تغير؟

هذه أسئلة سياسية، والإجابة عنها لا تكون بمنشور غاضب على “فيسبوك”، وإنما بالممارسة والوضوح وتحمل المسؤولية أمام الناخبين.

واليوم، وقد طويت صفحة الانتخابات التشريعية، يحتاج إقليم آسا الزاك قبل أي شيء آخر إلى طي صفحة الحرب السياسية المفتوحة بين أبنائه.

نحتاج إلى صفحة عنوانها الأول: مصلحة الإقليم فوق الجميع.

لا تعني هذه الدعوة إلغاء الاختلاف أو دفن المعارضة أو توزيع صكوك الغفران على أحد. بل تعني أن الاختلاف يجب أن يعود إلى مكانه الطبيعي: اختلافاً حول البرامج والإنجازات والأولويات، لا معارك شخصية ولا تصفية حسابات ولا طعناً في الأعراض.

آسا الزاك أصغر من أن يتحمل سنوات أخرى من استنزاف أبنائه لبعضهم البعض، وأكبر من أن يختزل مستقبله في أسماء انتخابية عابرة.

اليوم لكل منتخب مسؤولية واضحة.

فالبرلماني ليس مجرد اسم يرفع في المواسم الانتخابية أو رقم يضاف للائحة النواب، بل مهمته الترافع داخل المؤسسة التشريعية عن قضايا الإقليم، وطرح أسئلته ومشاكله على الحكومة، والدفاع عن نصيبه من الاستثمارات والبرامج والوظائف والبنيات الأساسية.

أما المنتخبون داخل المجالس الترابية، فمسؤوليتهم ليست انتظار المبادرات القادمة من المركز، بل البحث عن المشاريع، وإعداد الملفات، واستقطاب الاستثمار، وعقد الشراكات، وتحويل الوعود إلى أوراش يمكن للمواطن أن يراها ويلمس نتائجها على الأرض.

أما المجتمع المدني والإعلام والفعاليات المحلية، فدورها ليس التصفيق الدائم لهذا الطرف أو ذاك، ولا الاصطفاف الأعمى خلف الأشخاص، بل مراقبة العمل العمومي والدفاع عن مصالح الإقليم.

نحتاج اليوم إلى ثقافة سياسية جديدة: من أصاب الهدف نشيد بعمله مهما كان حزبه، ومن أخطأ نصوب له مهما كان قربه منا.

فالنجاح ليس ملكاً لحزب، والفشل لا يصبح نجاحاً فقط لأن صاحبه قريب منا سياسياً أو قبلياً.

ومن بين الملفات التي يجب أن تصبح أولوية حقيقية في المرحلة المقبلة ملف كفاءات أبناء الإقليم.

فليس من الطبيعي أن يظل عدد كبير من أبناء آسا الزاك، ممن راكموا تكويناً جامعياً وتجارب مهنية وإدارية مهمة، بعيدين عن مواقع المسؤولية والتأثير.

لا يمكن أن تبقى أبواب البرلمان بغرفتيه، ودواوين الوزراء، والمؤسسات العمومية، والمناصب العليا، مغلقة أو شبه مغلقة أمام كفاءات الإقليم.

والترافع الحقيقي لا يقتصر على بناء طريق أو ملعب أو مقر إداري، بل يشمل أيضاً فتح الطريق أمام الإنسان.

أبناء آسا الزاك بحاجة إلى من يدافع عن حضورهم داخل مراكز القرار كما يدافع عن مشاريع الحجر والإسمنت.

لقد انتهت الانتخابات.

وسقطت معها مبررات كثيرة للصراع.

والآن حان وقت السؤال الأصعب: ماذا سنقدم جميعاً لهذا الإقليم خلال السنوات المقبلة؟

من فاز فليشتغل.

ومن لم يفز فليعارض بمسؤولية.

ومن أخطأ فلننتقده.

ومن نجح فلنعترف له بنجاحه.

أما تحويل السياسة إلى خصومات دائمة، والإقليم إلى ساحة انتقام، والقبيلة إلى أداة انتخابية، ومواقع التواصل إلى محاكم لتوزيع تهم الفساد والخيانة، فلن ينتج سوى مزيد من الانقسام.

آسا الزاك اليوم لا تحتاج إلى منتصرين ومهزومين.

تحتاج إلى جبهة محلية من الترافع والعمل، يختلف أفرادها سياسياً، لكنهم يتفقون عندما يتعلق الأمر بمصلحة الإقليم وكرامة أبنائه ومستقبل أجياله.

فلتنتهِ الانتخابات فعلاً…ولتبدأ السياسة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق