حاتم محمود في زمن أصبحت فيه التنمية الترابية مرآة حقيقية لمدى نضج المؤسسات وجرأتها على الإصغاء للمواطنين، تبرز عمالة بوجدور كنموذج مضيء لا يمكن تجاهله، فإطلاقها لاستــمارة إلكترونية مفتوحة أمام الساكنة من أجل المساهمة في إعداد برنامج التنمية المندمجة ليس مجرد خطوة تقنية عابرة، بل إعلان صريح بأن صوت المواطن أصبح جزءاً من معادلة القرار المحلي، وأن الوقت قد حان لإعادة الاعتبار للديمقراطية التشاركية كركيزة للتنمية.
هذه المبادرة ليست فقط وسيلة لجمع الآراء، بل تعبير عن إدارة ترابية تؤمن بأن التنمية تُصنع من القاعدة لا من المكاتب المغلقة، إنها رسالة احترام للساكنة، وتأكيد على أن التخطيط الجيد يبدأ بالإنصات، ويمر عبر الحوار، وينتهي ببرامج تستمد قوتها من انخراط عموم المواطنين.
وفي الجهة المقابلة تتكرر الصورة النقيضة في إقليم آسا الزاك، حيث تم الاكتفاء بلقاء وحيد في إطار المشاورات، لقاءٌ قال عنه العديد من الفاعلين إنه جاء بتمثيلية منقوصة، وغابت عنه فعاليات المجتمع المدني والشباب… أولئك الذين يُفترض أن يكونوا في مقدمة المشاركين لا في مؤخرة المدعوين.
إن ما حدث في آسا الزاك يطرح سؤالاً مؤلماً: كيف يمكن الحديث عن تنمية مندمجة في ظل غياب المسار التشاركي؟ وكيف يمكن لبرنامج يُفترض أن يرسم ملامح المستقبل أن يُبنى دون إشراك من سيعيشون هذا المستقبل؟
التنمية ليست مجرد وثائق تُصاغ، ولا اجتماعات تُعقد، بل هي ثقة تُبنى وجسور تتأسس بين الإدارة والمواطن، وعندما يتم تغييب هذه الثقة، يصبح أي برنامج تنموي معرضاً لفقدان روحه، مهما كانت موارده أو طموحاته.
اليوم وبين تجربة بوجدور التي فتحت أبواب المشاركة، وتجربة آسا الزاك التي أغلقتها دون مبرر واضح، يتأكد أن الاختلاف ليس في الإمكانيات، بل في الإرادة، إرادة الإصغاء، وإرادة الشفافية، وإرادة الاعتراف بأن المواطن هو شريك لا متفرج.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس فقط الإشادة بالنماذج الناجحة، بل تعميمها،وأن تتحول تجربة بوجدور من مبادرة محلية إلى مرجع وطني في كيفية إشراك الساكنة في التخطيط للمستقبل.
فالتنمية، في نهاية المطاف، لا تُمنح ولا تُملى… بل تُبنى مع المواطن ولأجل المواطن.









